أحمد بن علي القلقشندي

177

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

السلطان منتظرا ما إليه به يشار ؛ وشرع القرّاء يقرأون جميعا وفرادى بأحسن تلحين ، وأجمل تحسين ، فأتت أصواتهم بكلّ عجيب ، وعدلوا عن التّرتيل إلى الترتيب . ولما فرغوا شرع أمير المحفل صارخا ، وبكور فمه نافخا ، فأنشد وأورد بالفارسيّة ( 1 ) ما يعجب مدلوله ، ويهول مقولة ؛ وأطال وما أطاب ، واستصوب من يعرف مقاله قوله ، واللَّه أعلم بالصواب . ولما ( 2 ) انقضى ذلك مدّ سماط ليس يناسب همم الملوك ، فأكل الناس منه للشّرف لا للسّرف ، ثم عاد كلّ منهم إلى مقامه فوقف ؛ وقام مولانا السلطان إلى مكان الاستراحة فأقام ساعة أو ساعتين ، ثم خرج إلى مخيّمه قرير العين ؛ وكان بدار الملك حرم السّلجوقية قد أصبحوا لا ترى إلا مسكنتهم ومساكنهم ، قد نبت بهم مواطئهم ومواطنهم ؛ على أبوابهم أسمال ستور من حرير ، ومشايخ خدّام يستحقّ كلّ منهم - لكبر سنّه - أن يدعى بالكبير ؛ عليهم ذلَّة الانكسار ، وأماير الأفتقار ؛ فجبرهم مولانا السلطان وآنسهم ، وأحسن إليهم ؛ وتوجّه من توجّه إلى صلاة الجمعة في قيصريّة وبها سبع جمع تقام ، وبها خطباء إن هم إلا كالأنعام ؛ فصلَّينا في جامع السّلطان وهو جامع عليّ يدلّ على احتفال ملوكها ببيوت عباداتهم ، ورأينا فيه من دلائل الخير ما يقضي بحسن إراداتهم ؛ فحضر أهل المدينة وأكابرها ، وجلسوا حلقا لا صفوفا ، وأجروا من البحث بالعجميّة صنوفا ، واجتمعت جماعة من حفظة الكتاب العزيز فتخارجوا القراءة آية آية ، وهي قراءة بعيدة عن الدّراية ؛ بل إنها تبرزها أصوات مترنّمة ، وألحان لتفريق الكلمات مقسّمة ، ينطقون بالحروف كيف اتّفقت ، ولا يتوقّفون على مخارج الحروف أنها بها نطقت أو لا نطقت . فلما آن وقت الأذان قام صبيّ عليه قباء من وسط جماعة عليهم أقبية قعود على دكَّة المؤذّنين ، فابتدأ بالتّكبير أوّلا وثانيا بمفرده من غير إعانة ولا

--> ( 1 ) في الروض الزاهر « أنشد أمير المحفل بالعربية والعجمية مدائح في السلطان ، ومدّ السماط » . ( 2 ) من هنا إلى آخر الشّعر الآتي ساقط من الروض الزاهر .